في تطور جديد:

بقلم: د/ نهاد يسري
معالج نفسي واستشاري أسري وزواجي
عضو أمانة الصحة النفسية بحزب الوعي
«الأبناء ليسوا طرفًا في خلافاتكم الزوجية…»
قد يختلف الزوجان، وقد ترتفع الأصوات، وتمر العلاقة بفترات من الغضب والعتاب، وربما تصل إلى الانفصال؛ وهذا كله يخص العلاقة بين شخصين بالغين.
تبدأ المشكلة الحقيقية عندما ينتقل النزاع من مساحة الزوجين إلى عالم الأبناء، فيجد الطفل نفسه طرفًا في معركة لم يخترها، ولا يمتلك الأدوات النفسية للتعامل معها. في كثير من الأحيان، لا يقصد الوالدان الإيذاء، لكن بعض التصرفات غير المحسوبة تترك ندوبًا أعمق بكثير مما يتوقعان.
أبرز أشكال إقحام الأبناء في النزاع
1. تحويل الطفل إلى رسول بين الطرفين
«قول لبابا إن…»
«روحي اسألي مامتك هي عملت كده ليه…»
قد تبدو عبارات عفوية، لكنها تضع الطفل في المنتصف؛ فهو يحب الطرفين معًا، وفجأة يصبح مُطالبًا بنقل الغضب والعتاب، مما يولد لديه شعورًا زائفًا ومجهدًا بأنه مسؤول عن إدارة علاقة والديه.
2. إجباره على الاختيار وتوليد صراع الولاء
من أكثر المواقف إيلامًا أن يشعر الطفل بأن حبه لأحد الوالدين يُعد خيانة للآخر عبر رسائل مبطنة:
«إنت دايمًا واقف في صف باباك!»
«واضح إن مامتك أهم عندك!»
من حق الأبناء أن يحبوا الأب والأم معًا دون أدنى شعور بالذنب، حتى لو كانت العلاقة بينهما مشحونة بالعداء.
3. تشويه صورة شريك الحياة
الحديث السلبي المستمر عن الطرف الآخر أمام الأطفال لا يعاقب الشريك بقدر ما يهدم استقرار الطفل النفسي. الأب والأم هما عماد الأمان والانتماء للطفل، والطعن في أحدهما يهز نظرته لذاته. فرق شاسع بين عدم إخفاء واقع المشاكل وبين تحميل الطفل تفاصيل أكبر من عمره لجعله قاضيًا يحدد المخطئ.
4. اتخاذ الابن صديقًا للفضفضة (Parentification)
تحت وطأة الوحدة أو الغضب، يلجأ بعض الآباء والأمهات للبوح بأسرار العلاقة والمشاكل المالية والتهديد بالطلاق للأبناء. هذا العبء يفوق نضج الطفل وقدرته على الاستيعاب؛ فالاحتياج للتفريغ النفسي مشروع، لكن مكانه الطبيعي هو استشارة متخصص أو الحديث مع شخص بالغ وموثوق.
5. استخدام الأطفال كسلاح للضغط والعقاب
يظهر هذا المنحى السلبي في صور عدة:
التهديد بالحرمان من رؤية الأبناء أو منع التواصل.
استغلال تعلق الأطفال لابتزاز التنازلات.
استخدامهم لنقل رسائل التهديد والإنذار.
ينتهي الشجار بين الزوجين، لكن يظل الطفل أسير خوف دائم: «هل يمكن أن أفقد أبي أو أمي في أي لحظة؟»، فيتحول الخلاف إلى تهديد وجودي لأمانه.
مغالطة «نحن نتشاجر بعيدًا عنهم»
الأطفال أكثر ذكاءً وملاحظة مما نتصور؛ فحتى لو لم يسمعوا الحوارات الصاخبة، فإنهم يرصدون:
الصمت الطويل والجفاء.
الأبواب المغلقة بعنف ونبرات الصوت الحادة.
لغة الجسد المليئة بالتوتر والتجاهل المتبادل.
ليس المطلوب أن ينشأ الطفل في بيئة مثالية خالية من المشاكل تمامًا—فهذا أمر غير واقعي—بل المطلوب أن يتعلم أن:
الخلاف يمكن أن يحدث دون إهانة أو تهديد أو عنف.
النقاش، والهدوء، وإصلاح الخطأ هو السبيل الصحي لإدارة الأزمات.
ماذا يحتاج الأبناء وقت خلاف والديهم؟
يحتاج الأبناء في المقام الأول إلى الشعور بالأمان عبر إدراك الحقائق الآتية:
الخلاف ليس بسببهم، ولا يد لهم فيه.
ليسوا مسؤولين عن الإصلاح أو التدخل.
حب والديهم لهم ثابت ولا يتأثر بمشاكل الكبار.
نصيحة عملية عند حدوث شجار أمام الأبناء:
لا تتجاهلوا الموقف وكأنه لم يحدث؛ توجهوا للطفل بكلمات صريحة ومطمئنة:
«اللي حصل بينا ده خلاف عادي بين الكبار، إنت مش سببه خالص، ومش مطلوب منك تصلح أي حاجة بينا؛ إحنا بنحبك وهنحل الموضوع سوا.»
مسؤولية حسم المشاكل الزوجية تقع على عاتق الشريكين وحدهما؛ سواء استمر الزواج أم انتهى بالانفصال، تظل حماية الأبناء من دفع ضريبة هذه الخلافات التزامًا لا يسقط أبدًا. ما يختبره الطفل في بيته لا يزول بزوال الأزمة، بل يشكل نظرته لذاته، وطريقة بنائه لعلاقاته، وأسلوب تعامله مع صراعات مستقبله بالكامل.
يستمر الحره نيوز في متابعة تطورات الحدث.