
بقلم :شحاته زكريا
حين يتوقف العقل المصري قليلا أمام المشهد العام ليرصد حجم ما يبنى على الأرض من مشروعات عملاقة وطرق وموانئ وتجمعات عمرانية جديدة وحجم التحديات الإقليمية والعالمية التي تضرب أطنابها في كل اقتصاديات الأرض يدرك يقينا أننا لسنا أمام مرحلة عادية بل أمام ملحمة تاريخية لإعادة صياغة الدولة المصرية. وفي قلب هذا المخاض الكبير تأتي منصات الحوار الوطني ومنتديات الفكر والتنمية وعلى رأسها طارح منتدى مصر لتلعب الدور الأهم والأشرف: دور المصارحة والمكاشفة إن الشفافية المطلقة ووضع الحقيقة كاملة أمام المواطن لم تكونا قط ضعفا بل هما أعلى درجات الثقة في وعي هذا الشعب.
لقد أثبت المصريون دوما أنهم الشريك الأصدق والأول في تحمل الصعاب متى ما وُضعت الصورة أمم أعينهم بلا زيف أو تجميل. ومن هنا تنبع أهمية منتدى مصر فهو ليس مجرد قاعة مؤتمرات تُلقى فيها التقارير الجاهزة بل هو مختبر وطني خالص تلتقي فيه رؤى الدولة بنبض الشارع وتتفاعل أفكار الخبراء باحتياجات البسطاء في الحقول والمصانع والقرى والمدن.
إن صناعة القرار في الجمهورية الجديدة لم تعد تنبثق من الغرف المغلقة بل تخرج ناضجة ممزوجة بعرق الواقع وحيوية النقاش المجتمعي.
حين يجلس صانع القرار إلى جدول واحد مع المفكر والمزارع، والعامل، ورجال الاقتصاد، والمستثمر.فإننا نشهد بزوغ المشاركة الشعبية في أبهى صورها.
هذه المشاركة لا تعني فقط إبداء الرأي بل تعني تحويل التحديات إلى فرص واقتراح حلول واقعية من صميم المعايشة اليومية للمواطن الذي يستشعر أين تكمن الاختناقات وأين تتدفق شرايين الخير والتنمية. لقد علمتنا التجارب أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالأرقام الصماء ومعدلات النمو الكلي في التقارير الدولية على أهميتها بل تقاس بمدى انعكاس هذه الأرقام على جودة حياة الإنسان البسيط. وهنا تحديدا تبرز قيمة المصارحة أن نتحدث بشجاعة عما انجزناه وما ينتظرنا وأن نعترف بالتحديات التضخمية والضغوط المعيشية دون تهوين أو تهويل وفي نفس الوقت أن نستعرض بوضوح خطط الدولة والبدائل المتاحة لتجاوز هذه المرحلة.
المواطن المصري بطبعه ذكي يفرز الغث من السمين، ويمتلك بوصلة وطنية خالصة تجعله يقف خلف وطنه حين يرى الصدق عنوانا للخطاب الرسمي والشعبي.
وعندما نتأمل محاور مثل توطين الصناعة ودعم الاستثمار المنتج وبناء الإنسان تعليما وصحة فإننا ندرك أننا أمام حزمة متكاملة لا تقبل التجزئة. فالاستثمار في البنية التحتية كان ضرورة حتمية لتهيئة المسرح الاقتصادي والآن يأتي دور جني الثمار بتحويل هذه البنية إلى مصانع منتجة وفرص عمل حقيقية، وصادرات تنافس في الأسواق العالمية. وهذا التحول لا يتم بقرارات فوقية بل بحوار وطني دؤوب يزيل العراقيل البيروقراطية ويستمع لصوت القطاع الخاص والشباب وأصحاب الأفكار المبتكرة.
إن منتدى مصر وغيره من مساحات الحوار الوطني يمثلان صمام الأمان الفكري والتنموي.
إنهما يرسخان لمبدأ أن الوطن يتسع للجميع وأن اختلاف الرؤى وتعدد اجتهادات الخبراء هو ثراء حقيقي لا خصم من رصيد الاستقرار.
بل على العكس كلما اتسعت دائرة النقاش المخلص وكلما سادت لغة العقل والمصارحة كلما حصّنا صفنا الداخلي في مواجهة التحديات الإقليمية العاتية وحروب الجيل الرابع والشائعات التي لا تهتم سوى بهدم الوعي.
في النهاية يبقي الرهان الأبدي على هذا الشعب العظيم ووعيه المتأصل في وجدان التاريخ.
إن مصر لا تبنى بالأماني وحدها بل بالعمل الجاد والفكر المستنير والمصارحة الشجاعة التي تضع النقاط على الحروف.
ومثل هذه المنتديات الوطنية هي الطريقة المثلى لترسيخ جسور الثقة بين المواطن ودولته لنمضي معا بخطى ثابتة نحو مستقبل يليق بتاريخ هذا البلد وعظمة تضحيات أبنائه.