
بقلم: أحمد عزب
تحمل مباريات كرة القدم في طياتها ما هو أعمق بكثير من مجرد تنافس رياضي مدته تسعون دقيقة؛ فهي في كثير من الأحيان تتحول إلى مرآة تعكس صراعات الهوية، والتاريخ، والمواقف السياسية والاجتماعية للشعوب. ومع اقتراب المواجهة المرتقبة بين المنتخب الوطني المصري ونظيره الأرجنتيني، يبدو أن الزخم الجماهيري لا يقتصر على المشجعين المصريين أو العرب فحسب، بل يمتد ليشمل قطاعاً عريضاً من شعوب القارة اللاتينية نفسها، والتي أعلنت بوضوح انحيازها الكامل لـ “الفراعنة”.
هذا التعاطف الواسع مع مصر ضد الأرجنتين لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكمات تاريخية وسلوكيات يراها الكثيرون مغرقة في الفوقية والعنصرية. نستعرض هنا الأبعاد الخمسة الفاصلة التي تفسر هذا العداء اللاتيني والدولي لمنتخب التانجو، وكيف تحولت مصر إلى رمز مدعوم من ملايين القلوب حول العالم.
أولاً: إرث تاريخي من “الهندسة الديموغرافية” والإبادة الصامتة
يرى الكثير من المؤرخين والمحللين في أمريكا الجنوبية أن التركيبة السكانية الحالية للأرجنتين، والتي يغلب عليها البياض الأوروبي، لم تكن نتاج تطور طبيعي، بل جاءت عبر عملية “تطهير وإزاحة” ممنهجة للسكان الأصليين والمواطنين ذوي البشرة السمراء (الأفرو-أرجنتينيين) خلال القرنين الثامن والتاسع عشر. من خلال حروب الإبادة، والتهميش الاقتصادي، والدفع بهم إلى الخطوط الأمامية في الحروب، فضلاً عن الأوبئة، جرت واحدة من أكبر عمليات الهندسة الاجتماعية لاستبدال الهوية الأصلية بهوية مهاجرة إقصائية، مما جعلها تعيش في عزلة شعورية عن محيطها اللاتيني.
ثانياً: تفشي العنصرية الرياضية في الملاعب
لم ينفصل الحاضر الرياضي للأرجنتين عن ماضيها؛ حيث يواجه المشجع واللاعب الأرجنتيني اتهامات مستمرة بالعنصرية الفجة تجاه جيرانه. ولعل الوقائع الشهيرة مع الجماهير واللاعبين البرازيليين – ووصفهم بعبارات مسيئة مثل “القرود” – والتي وصلت لأروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ليست إلا قشرة سطحية لثقافة متجذرة. يمتد هذا السلوك ليصل إلى داخل غرف ملابس المنتخب الأرجنتيني نفسه، والذي انتشرت للاعبيه مقاطع فيديو يترددون فيها بأغاني وهتافات عنصرية تتهكم على أصول اللاعبين ذوي البشرة السمراء، مما أثار قطيعة حقيقية مع بقية شعوب القارة التي تعتز بتنوعها العرقي.
ثالثاً: التموضع السياسي المثير للجدل والانحياز ضد العدالة الإنسانية
على الصعيد الدولي والسياسي، تغرد الأرجنتين منفردة بعيداً عن السرب اللاتيني الداعم للقضايا الإنسانية العادلة. ففي الوقت الذي تتخذ فيه معظم دول أمريكا الجنوبية مواقف صارمة وشجاعة ضد الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، برز التوجه الأرجنتيني الحالي، مدفوعاً بتصريحات رئيسها “خافيير ميلي”، ليعلن انحيازاً مطلقاً وفجاً للكيان الصهيوني على حساب دماء الأبرياء في قطاع غزة، لدرجة باتت تُعرف معها الأرجنتين في الأوساط اللاتينية بـ “إسرائيل المنطقة”. هذا الانفصال الأخلاقي تعزز تاريخياً بمواقف ديبلوماسية صادمة، كامتناعها سابقاً (برفقة دول معدودة) عن التصويت في الأمم المتحدة على اعتبار تجارة العبيد كأكبر جريمة ضد الإنسانية في التاريخ.
رابعاً: “الحصانة التحكيمية” والخشونة المفرطة
داخل المستطيل الأخضر، يعاني منافسو الأرجنتين مما يصفه الكثيرون بـ “الرعب التحكيمي” والمحاباة التي يحظى بها هذا الفريق من قِبل “الفيفا”. فالاندفاع البدني العنيف والخشونة التي تتجاوز حدود القانون غالباً ما تمر مرور الكرام دون رادع حقيقي، مما يخلق انطباعاً عاماً بأن المنظومة الكروية تحمي هذا الفريق لأسباب تسويقية وتجارية، بحرمان المنافسين من تكافؤ الفرص.
خاماً: غياب الكاريزما الإنسانية والتعالي الرياضي
بعيداً عن الأرقام والإنجازات، تفتقر الرموز الكروية الأرجنتينية الحالية – وفي مقدمتها ليونيل ميسي – إلى ذلك القبول الشعبي التلقائي الذي ميز أساطير سابقين. ويرى قطاع واسع من الجماهير أن مسحة التعالي، والافتخار المبالغ فيه، وغياب الروح الرياضية في التعامل مع المنافسين، نزعت عنهم رداء “الأبطال الشعبيين” وحولتها إلى شخصيات كروية ثقيلة الظل ومثيرة للاستفزاز.
فرصة “الفراعنة” في قلب العاصمة اللاتينية
إن الزخم الذي تحظى به مصر اليوم ليس مجرد تشجيع عابر، بل هو اصطفاف قاري ودولي خلف “الفراعنة” لكسر هذه الحالة من الفوقية الأرجنتينية. الصورة المنتشرة في أروقة منصات التواصل اللاتينية التي تدعم المنتخب المصري تعكس رغبة جماهيرية عارمة في رؤية الكبرياء الأرجنتيني يتهاوى كروياً.
تمتلك مصر اليوم فرصة ذهبية، ليس فقط لتحقيق انتصار رياضي يضاف إلى سجلاتها، بل لتقديم مباراة تليق بهذا الدعم العالمي، وتأكيد أن كرة القدم الحقيقية تنحاز دائماً لمن يحترم قيم الإنسانية والتنوع، ولتلقين هذا الفريق ونجمه “المتعجرف” درساً كروياً لا يُنسى وسط مؤازرة الملايين من مشارق الأرض ومغاربها.