
في ظل تسارع وتيرة الحياة وتزايد الضغوط اليومية، يظل البحث عن السعادة والسكينة النفسية الشغل الشاغل للإنسان المعاصر. حول هذا الموضوع، التقينا الدكتور عبد الله البلتاجي، الباحث والمهتم بتطبيقات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ليحدثنا عن تجربته في توظيف نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة لتفكيك مفهوم السعادة، وكيف تتطابق نتائجه الحديثة مع القيم الإنسانية والروحية الراسخة.
د. عبد الله، ما الذي دفعك لطرح سؤال السعادة على نماذج الذكاء الاصطناعي بدلاً من التوجه نحو المصادر التقليدية؟
الذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد مجرد أداة لإنجاز المهام المكتبية أو الأكاديمية، بل أصبح مرآة تجمع عصارة الفكر الإنساني في مختلف العلوم؛ من علم النفس والاجتماع إلى الفلسفة وعلوم الدين. أردت أن أختبر كيف ترى هذه الخوارزميات المتقدمة أزمة الإنسان المعاصر، وكيف تترجم مفاهيم الرضا والشقاء بلغة علمية وبحثية شاملة على الهواء مباشرة أمام الجمهور.
طرحت في حديثك مقولة «كن سعيداً تكن أغنى الناس»، كيف خرجت هذه الرؤية عبر نتائج التحليل الذكي؟
النتائج كانت واضحة وحاسمة: السعادة ليست مرادفاً للمال أو المقتنيات المادية فقط، بل هي حالة استقرار ورضا داخلي شاملة. عندما يمتلك الإنسان القدرة على الاستمتاع بالبسيط وتقدير المتاح، يصبح أغنى الناس بمشاعره وطمأنينته. الماديات قد توفر الراحة اللحظية، لكن الرضا الداخلي هو الذي يمنح السعادة استدامتها وعمقها.
ما هي أبرز الشروط والمقومات التي حددتها المعطيات لتحقيق جودة الحياة وتجنب الشقاء؟
هناك ركائز أساسية متفق عليها، أهمها:
- العلاقات الإنسانية والداعمة: لا يمكن لإنسان يعيش في عزلة أن يبلغ سعادة حقيقية؛ التواصل الأسري والمجتمعي هو صمام الأمان النفسي.
- وضوح الغاية والهدف: أن يستيقظ المرء ولديه رسالة أو هدف يسعى لتحقيقه.
- التوازن الصارم: توزيع اليوم بحكمة بين العمل، والراحة، والواجبات الشخصية.
- العناية بالصحة الجسدية والنفسية: الجسم والعقل كلٌّ لا يتجزأ.
- إدارة الضغوط اليومية: التعامل مع تحديات الحياة بمرونة وتفكير إيجابي بدلاً من الاستسلام للقلق.
شددت خلال التجربة على أهمية العمل التطوعي كعامل أساسي للسعادة، كيف ينعكس ذلك على واقع الإنسان؟
من واقع تجربتي الشخصية الممتدة في تأسيس وإدارة الجمعيات الخيرية والمبادرات التنموية، وجدت أن العطاء يمنح الإنسان شعوراً بالمعنى لا يمكن لأي نشاط آخر أن يوازيه. حين تمد يد المساعدة لغيرك أو تسهم في تنمية مجتمعك، ينعكس ذلك مباشرة على صفائك النفسي ورضاك عن ذاتك. خوارزميات علم النفس الاجتماعي تؤكد أيضاً أن الانخراط في العمل النفعي يقلل من نسب الاكتئاب والشعور بالوحدة.
كيف يرى المنظور الإسلامي مفهوم السعادة وفق ما قدمته النماذج التخصصية؟
الإسلام يضع إطاراً شاملاً للسعادة يجمع بين العمل الدنيوي والطمأنينة الروحية. المعادلة بسيطة وعميقة: «الشكر في الرخاء، والصبر على البلاء». العمل الصالح والإيمان هما جوهر الحياة الطيبة، والاقتداء بنهج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام يعلمنا أن السكينة الحقيقية تكمن في نقاء السريرة وتجنب المعاصي والمشاحنات التي تورث ضيق الصدر.
ما هي رسالتك الختامية لكل من يبحث عن مخرج من دوامة القلق اليومي؟
رسالتي هي أن السعادة خيار يبدأ بقرار داخلي؛ ابحث عن لحظات الامتنان اليومية، نمِّ هواياتك المفيدة، حافظ على علاقاتك الطيبة مع أهلك ومجتمعك، واجعل لحياتك غاية نافعة. التكنولوجيا بكل أدواتها الحديثة لن تصنع لنا راحة البال، بل تذكرنا دائماً بأن السلام ينبع من داخل قلوبنا وعقولنا.