تقرير خاص:

امل حسن تكتب :
تعتمد الحركات المسلحة غير النظامية، في مساعيها لتكريس سلطة الأمر الواقع، على استراتيجيات اتصالية تهدف بالدرجة الأولى إلى تعويض الفوارق العملياتية واللوجستية عبر ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ”تضخيم التأثير النفسي”. وتمثل الظاهرة الإعلامية لجماعة أنصار الله (الحوثيين) نموذجاً صارخاً لهذا النمط التعبوي؛ إذ تحولت المنصات العسكرية وبيانات متحدثيها الرسميين إلى فضاء مسرحي قائم بذاته، تُدار فيه حروب دعائية موازية تنفصل كلياً عن معطيات الأرض ومعايير التقييم الاستراتيجي المحايد.
هندسة “المشهدية الحربية” وصناعة الرمزية
تتأسس البيانات العسكرية للجماعة على طقوس بصرية وسمعية محسوبة بعناية، تستعير بروتوكولات الجيوش النظامية في محاولة لإضفاء شرعية مفقودة هيكلياً. يتجلى ذلك في الإفراط في استخدام الرتب والنياشين العسكرية، واستدعاء لغة دراماتيكية حاسمة تعتمد مفردات من قبيل “الشلل التام” و”الدقة المتناهية”، بغض النظر عن النتيجة الفنية المقاسة للمقذوفات.
كما يبرز البعد الاستعراضي في إطلاق تسميات ذات صبغة تقنية فائقة على أسلحة ومسيّرات ذات كفاءة تشغيلية محدودة، جُمعت من مكونات تجارية وقطع مهربة منخفضة الكلفة. والهدف من هذا الإخراج ليس إحداث توازن ردع حقيقي مع منظومات الدفاع الجوي المتقدمة، بقدر ما هو خلق هالة ردع افتراضية تعيد إنتاج الدعاية الحربية للاستهلاك العام.
الفجوة التشغيلية: بين الصاروخ والشاشة
في العلوم العسكرية الرصينة، تخضع أي ضربة لمنظومة تقييم الأضرار القتالية (BDA)، وهي مرحلة يتم القفز فوقها تماماً في الخطاب العسكري الحوثي؛ حيث تتحول النتيجة الآلية لكل عملية إلى “إصابة دقيقة ومحققة”.
وبينما تتحدث البيانات عن شلل في منشآت الطاقة الإقليمية وتعطيل تام لحركة الملاحة وسلاسل الإمداد، تكشف وقائع الميدان عن مشهد مغاير تماماً؛ حيث تتكفل الدفاعات الجوية باعتراض الغالبية العظمى من هذه المقذوفات في أجواء مفتوحة، لتستمر المنشآت المستهدفة في وتيرة عملها المعتادة دون تأثر يُذكر.
وعندما تصطدم هذه الرواية بغياب الشواهد الميدانية، تلجأ المنصات الرقمية الموالية للجماعة إلى تزييف التوثيق عبر تداول لقطات أرشيفية لحرائق قديمة، أو مشاهد مجتزأة من كوارث طبيعية في مناطق نائية، بل وحتى مقاطع محاكاة مأخوذة من ألعاب إلكترونية حديثة، لترميم الرواية الرسمية وسد الفجوة بين الوهم والواقع.
الانفصام المجتمعي: تسويق الانتصارات كبديل للحقوق
تكمن المفارقة الأكثر مأساوية في الوجهة الحقيقية لهذه الدعاية؛ فالخطاب العسكري لا يخاطب الخصوم الخارجيين بقدر ما يفرض سردية إجبارية على الحاضنة الشعبية الواقعة تحت سيطرة الجماعة.
يُطالب المواطن في مناطق سيطرة الحوثيين بالاحتفاء بـ”انتصارات تاريخية ساحقة”، في وقت يعيش فيه انهياراً شاملاً للخدمات الأساسية، وتوقفاً شبه كامل لرواتب موظفي الدولة، وتآكلاً مخيفاً في القدرة الشرائية للعملة المحلية. وبينما يزعم المتحدث العسكري ركوع القوى الدولية أمام ترسانة الجماعة، يقف المواطن البسيط في طوابير طويلة تمتد لأيام للحصول على أسطوانة غاز طهي أو جالون وقود.
هنا يتحول “الانتصار المتلفز” إلى بديل وظيفي عن رغيف الخبز والاستقرار؛ حيث يُطلب من المجتمع القبول بالعزلة الدولية والفقر الممنهج باعتبارهما ثمناً مشروعاً لمجد عسكري افتراضي، وتُبرر الأزمات الإنسانية الخانقة بأنها ضريبة حتمية لمواجهة “قوى الاستكبار”.
إن تكرار البيانات الصاخبة لا يُعدّل من موازين القوى الاستراتيجية؛ فالصراعات الإقليمية تُحسم ببناء المؤسسات الوطنية، والقدرة الاقتصادية المستدامة، وحماية المصالح الحيوية للشعوب. أما الاستمرار في إطلاق مقذوفات تائهة يعقبها إعلان انتصارات بلاغية، فليس سوى نمط متكرر لإدارة الأزمات بالتخدير الإعلامي، وهو مسار لا ينتج سوى تعميق مأساة اليمن وعزله عن محيطه الطبيعي.
للمزيد من الأخبار زوروا الحره نيوز.