
بقلم: أ. عبير غريب
عضو بمبادرة 100 مليون صحة نفسية | مرشد نفسي وأسري
قد تبدو المرأة من الخارج بخير؛ تؤدي واجباتها، تذهب إلى عملها، ترعى أطفالها، تتابع تفاصيل البيت، وتتواصل مع الجميع باعتيادية. لكن في الأعماق، قد تعيش واقعاً مختلفاً تماماً يُعرف بـ الإرهاق العاطفي.
لا يعني الإرهاق العاطفي بالضرورة وجود اضطراب نفسي؛ بل هو نتيجة تراكم المسؤوليات والضغوط والمشاعر لفترات طويلة دون نيل قسطٍ كافٍ من الراحة، أو تلقي الدعم، أو إيجاد مساحة تفريغ صحية.
ما هو الإرهاق العاطفي؟
هو حالة استنزاف تام للطاقة النفسية. الأمور التي كانت تُدار سابقاً بيسر تصبح عبئاً ثقيلاً، ويغدو التفاعل مع المحيط مجهداً، ويقل منسوب الصبر، وتتولد رغبة ملحة في الانعزال.
تكمن خطورته في أنه غالباً ما يتسلل بهدوء وبشكل تدريجي، حتى تعتاد المرأة على الإنهاك وتظنه جزءاً طبيعياً من روتينها اليومي.
علامات تستوجب الانتباه
المؤشرات النفسية والسلوكية:
الشعور بالتعب الدائم حتى بعد نيل قسط من النوم.
سرعة الاستثارة والغضب من تفاصيل صغيرة لم تكن تثير الانزعاج مسبقاً.
الميل للابتعاد عن الناس وتفضيل الصمت.
الإحساس الدائم بأن كل شخص ينتظر منكِ خدمة أو مبادرة.
تشتت الذهن وضعف التركيز وكثرة النسيان.
فقدان الشغف والاهتمام بالأنشطة المحببة سابقاً.
الشعور بالتبلد أو الفراغ العاطفي.
أداء الواجبات بآلية روتينية خالية من أي استمتاع.
المؤشرات الجسدية:
الصداع المزمن وشد العضلات.
اضطرابات النوم ومشكلات الجهاز الهضمي والمعدة.
ملاحظة: ظهور عرض واحد لا يعني بالضرورة أزمة نفسية، لكن استمرار عدة أعراض وتأثيرها على الحياة اليومية يستدعي التوقف وإعادة التقييم.
لماذا تعد المرأة أكثر عرضة للاستنزاف؟
السبب يكمن في خوضها الدائم لما يسمى العمل العاطفي والذهني غير المرئي.
لا ينحصر دور المرأة في إنجاز المهام فحسب، بل يمتد إلى إدارة التفكير بها:
متابعة مواعيد واحتياجات أفراد الأسرة.
الحفاظ على توازن العلاقات واستقرارها.
رصد الحالة المزاجية لمن حولها ودعمهم.
التخطيط المستمر للمستقبل واستباق المشكلات قبل وقوعها.
هذا الحمل الذهني المستمر يستهلك الطاقة العصبية حتى وإن بدا للآخرين جهداً غير ملموس.
أخطاء شائعة في التعامل مع الإرهاق
1. علاج الإرهاق بمزيد من التحمل
عند الشعور بالتعب، يتبادر للذهن تلقائياً شعار: «يجب أن أكون أقوى». الحقيقة أن الإرهاق لا يُعالج بمزيد من المقاومة، بل يحتاج إلى تقليل الأحمال بدلاً من الاكتفاء برفع القدرة على التحمل.
2. اختزال الراحة في النوم فقط
النوم وحده ليس كافياً إذا كان الاستنزاف نابعاً من مصادر أخرى. هناك أنواع متعددة من الراحة:
راحة ذهنية: التوقف مؤقتاً عن اتخاذ القرارات والتفكير المستمر.
راحة عاطفية: التواجد في مساحة تسمح بالتعبير الصادق دون تصنع القوة.
راحة اجتماعية: تقليص التفاعل مع الشخصيات المستنزفة.
راحة حسية: تقليل التعرض للشاشات والهواتف والضوضاء.
راحة جسدية: التغذية الجيدة، النوم المنتظم، والحركة المناسبة.
3. تحويل كل شعور طبيعي إلى اضطراب
المشاعر الطبيعية من حزن أو غضب أو فتور مؤقت ليست أمراضاً. المعيار هنا هو الشدة، والاستمرار، ودرجة تعطيل الحياة اليومية؛ وإذا امتد التأثير على العمل أو العلاقات أو النوم، يصبح استشارة المتخصص خياراً أساسياً ومطلوباً.
خطوات عملية لحماية طاقتكِ النفسية
إدارة الطاقة لا الوقت فقط: حددي أوقات ذروة طاقتكِ لإنجاز المهام الصعبة، وأجّلي ما يمكن تأجيله إلى أوقات انخفاضها، واتركي مساحات فارغة في جدولكِ دون شعور بالذنب.
إتقان مهارة التفويض: التخلي عن السيطرة الكاملة وإشراك الزوج والأبناء في إدارة المنزل والمسؤوليات؛ فطلب الدعم حكمة وقوة، وليس مؤشر ضعف.
وضع حدود صحية في العلاقات: خفض الاحتكاك بمن يستنزفونكِ، ووضع أطر زمنية للنقاشات، والتخلي عن محاولة إرضاء الجميع.
جعل التعافي ممارسة يومية: عبر المشي الخفيف، أوقات الصمت، النوم المنضبط، والامتناع التام عن أن تكوني متاحة للجميع على مدار الساعة.
خاطرة أخيرة
من يهب طاقته للجميع دون توقف، سيصل حتماً إلى مرحلة لا يملك فيها ما يقدمه لنفسه أو لمن يحب. الصحة النفسية لا تعني غياب الضغوط، بل معرفة كيفية حماية النفس من تحول التحديات العابرة إلى استنزاف دائم.
نوركِ في داخلكِ… وحماية طاقتكِ هي السبيل للحفاظ على توهجه.