تقرير خاص:

بقلم: أميرة إمام
في السادس عشر من سبتمبر، أعلنت وزارة الثقافة تشكيل اللجنة العليا الاستشارية للدورة الثامنة والخمسين من معرض القاهرة الدولي للكتاب (2027). وجاءت المفاجأة بوجود أحمد الغندور (الدحيح) ضمن التشكيل، ممثلًا لاختصاص «الشباب وصناعة المحتوى المعرفي»، وبحسب الإعلان الرسمي، ممثلًا كذلك عن الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية. وتجدر الإشارة إلى أن العام الماضي (2026) شهد تواجد الأستاذ طارق مخلوف (العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة المتحدة) داخل اللجنة، لكن بصفته الشخصية ضمن قائمة المثقفين والإعلاميين، لا بصفة مؤسسية معلنة.
جوهر الأمر هنا لا يكمن في مجرد التساؤل: «من تم تعيينه؟»، بل في دلالة تحويل “الوصول الرقمي” إلى اختصاص أصيل داخل لجنة معرض كتاب؛ وفي واحد من أعرق المحافل الدولية وليس محليًا فحسب، وتلك مسألة أخرى تمامًا.
لا أطرح هذا الرأي بدافع خصومة مع المحتوى الرقمي؛ فأنا قارئة نهمة للكتاب الورقي وأمنحه مكانته الرفيعة، وفي الوقت ذاته متابعة جيدة ومستهلكة مستمرة للمحتوى المعرفي عبر الشاشات. ربما لهذا السبب تحديدًا أدرك الفارق الجوهري بين إيصال المعلومة لجمهور عريض، وبين بناء علاقة حقيقية مع القراءة وفعل البحث.
إنصافًا للحق، ما حققه أحمد الغندور إنجاز بالغ الأهمية؛ ملايين من فئات الشباب استمعت لموضوعات وقضايا ما كانت لتلتفت إليها لولا مقطع مدته ثلاثون دقيقة. هذا الشغف حقيقي، وصناعة المحتوى المعرفي نجاح مشهود لا أقلل من شأنه. لكن المشكلة تكمن في أن الميزة قتلت الفضول بقدر ما حرّكته؛ قادت المشاهد إلى العتبة واستكفت الغالبية بذلك، وتوقف الوعي عند حدود كلمة «سمعت» دون أن يتجاوزه إلى «قرأت»، والبون بينهما جليّ لكل ذي بصيرة.
معرض الكتاب ليس منصة ترفيه معرفي، ومقياسه ليس بالقدرة على حشد الملايين لمتابعة ملخص سريع لقضية معقدة.
القراءة فعل تأملي متأنٍ: مصدر، وحجة، وتدقيق، وبحث يفتح مدارك الفكر. أما الفيديو المعرفي — وإن علا شأنه — فيظل عرضًا سرديًا لمعلومات مسبقة التجهيز؛ يثير الفضول لكنه نادرًا ما يؤسس لمنهج بحثي. يخرج المشاهد في الغالب متوهّمًا أنه «فهم واستوعب»، ليكتفي بما سمعه ويزهد في البحث الجاد.
لذلك، فإن مقولة «من نجح في جذب الملايين لتبسيط المعرفة يوسع بالضرورة قاعدة القراءة» هي مقولة قاصرة ومضللة، وتحتها ألف خط؛ فالأمر لا يعدو كونه اتساعًا لمدى التعرض والانتشار والوصول السريع، وهي غاية تختلف جذريًا عن ترسيخ عادة القراءة.

صناعة المحتوى اتسعت وتتسارع وتيرتها يومًا بعد يوم، وهذا مسار طبيعي، غير أن هذا التمدد لا يبرر إقحامها داخل أروقة معرض القاهرة الدولي للكتاب وكأنها فرع مستحدث من فروع النشر.
للمعرض محدداته وركائزه التاريخية: صناعة الكتاب، حقوق الملكية الفكرية، دور النشر، البرامج الفكرية، التبادل الثقافي الدولي، واقتصاد المعرفة المطبوعة. أما صناعة المحتوى فتقوم على آليات مغايرة كليًا: خوارزميات المنصات، النبرة الخطابية الواثقة، دقائق المشاهدة، والرعاة الإعلانيون؛ وهي صناعة يحكمها منطق الربح والخسارة، دون أدنى انتقاص من طبيعتها.
لا ينطلق اعتراضي من خشية فقدان المعرض لهويته — فالمعرض أرسخ من ذلك واختصاصاته محددة — بل ينبع الاعتراض من كون آليات المنصات الرقمية لا تتقاطع بالأساس مع مهام لجان الكتاب، إلا إذا وُجد توجه مستقبلي لتحويل الإنتاج الوثائقي إلى إصدارات ورقية، وحتى هذا الافتراض لا يكفي مسوغًا. نحن أمام منظومتين متمايزتين: الأولى تحتاج إلى الناشر والموزع ومدير البرامج الفكرية، والثانية تدور في فلك أرقام المشاهدات ومؤشرات التفاعل.
إن وجود هذا المقعد يجعله أقرب إلى إضافة شكلية للتزيين؛ حضور في الصورة وغياب في صلب المهام الواقعية، لا لقصور ذاتي بل لاختلاف طبيعة التخصص تمامًا، كإقحام عنصر غريب على سياق متكامل ومستقر، فيفسد التناسق بدلًا من إثرائه.
قد يُقال إن اللجنة تتضمن محورًا للتحول الرقمي وصناعة المحتوى؛ لا بأس في ذلك، لكن وجود محور فرعي قد يسهم في تنظيم ندوة، بينما يعجز تمامًا عن صياغة ميثاق مهني لصناعة بأكملها. شتان بين تنظيم فعالية وتأسيس مهنة.
لأكن واضحة: لست معارضة لإكساب صناعة المحتوى مشروعيتها، بل أرى التوقيت مثاليًا لمعالجة عشوائية هذا الفضاء وانعكاساته على الوعي المجتمعي؛ بيد أن المشروعية الحقيقية تُبنى عبر تأسيس كيان مستقل، يضع مواثيق الدقة، ويحدد معايير المراجعة والتحقق، ليحمي الصناعة وينقيها من شوائبها، لا بمنح مقعد رمزي في لجنة لا تملك أدوات الضبط هذه.
التوسع يتطلب استقلالًا تنظيميًا، لا إدماجًا عشوائيًا.
جسر للجمهور… أم ختم للمصداقية؟
إذا كان الهدف من التمثيل هو مد الجسور واستقطاب الشباب نحو المعرض، فالطرح قابل للنقاش. أما إذا فُهم الحضور كتصديق على الموثوقية المعرفية، فإن المصداقية تصبح مهددة أمام أول زلة موثقة.
والسجل هنا يدعو للحذر الشديد؛ فالأسلوب الجذاب قد يستهوي الناشئة، لكن نبرة الثقة المطلقة تتحول في أذهانهم إلى حقيقة مسلّم بها. وحينها لا يمكن تصنيف الخطأ كعثرة إنتاج عابرة، إذ تتجلى رصانة المحتوى وقيمته في امتلاك الجرأة على استدراك الأخطاء علانية بإلحاق التنويهات والتصويبات، وهو ما يرسخ الموثوقية ولا يقلل من القيمة.
جوهر القضية لا يرتبط بوجود صانع محتوى في المشهد الثقافي، بل في تحويل ظاهرة الانتشار الرقمي إلى اختصاص داخل لجان الكتاب، عوضًا عن تشييد إطار مهني مستقل يستوعب متطلبات هذه الصناعة ويضبط قواعدها.
جمهور واسع وجديد؟ نعم وبلا شك.
قراءة بحثية جديدة وواعية؟ قطعًا لا.
والسؤال المطروح:
هل يكمن الحل في مقعد شرفي داخل اللجنة… أم في تدشين مسار مستقل لصناعة المحتوى يستند إلى قواعد ومعايير مكتوبة؟
للمزيد من الأخبار زوروا الحره نيوز.