
بقلم: شحاته زكريا
في سجلات العسكرية المصرية، معارك تُقاس بالمساحات التي استُردّت، وملاحم تُقاس بالأجساد التي تحوّلت إلى جسورٍ ليعبر فوقها الآخرون.
وفي ذاكرة نصر أكتوبر العظيم، يقف اسم الرائد محمد محمد زرد كأحد تلك الشواهد الخالدة؛ بطلٌ لم يكتفِ برسم خطة المعركة من داخل غرف العمليات، بل نزل بقدميه ليزرع علم بلاده فوق حصون العدو، وتظل دماؤه التي روت رمال سيناء شاهدة على أن النصر لم يكن مصادفة، بل صناعة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
غير أن حكاية هذا البطل ليست مجرد صفحة مطوية في كتاب العبور، بل قصة بيت ريفي أصيل خرج منه مقاتل ليصنع التاريخ، تاركاً خلفه عائلة حوّلت الفقد إلى عقيدة، ومسيرة الفداء إلى أمانة تتوارثها الأجيال.
جحيم «النقطة 149».. حين يتقدم القائد الصفوف
مع انطلاق إشارة العبور في ظهيرة السادس من أكتوبر 1973، كانت إحدى أعقد المهام العسكرية في قطاع الجيش الثالث الميداني موكلة إلى الكتيبة التي يشغل فيها الرائد محمد زرد موقع رئيس العمليات؛ والمهمة هي: إسقاط النقطة الحصينة 149 على خط بارليف (المعروفة بقطاع الشط).
كان الموقع قلعة خرسانية مدججة بالرشاشات الثقيلة، محاطة بحقول الألغام والأسلاك الشائكة، وتتحكم نيرانها في الممرات المؤدية إلى عمق سيناء. وحين تعطل تقدم القوات أمام إحدى الدشم التي كانت تمطر الجنود بنيران كثيفة، لم يتردد الرائد محمد زرد:
- تحرك بنفسه زاحفاً ثم راكضاً تحت وابل الرصاص لقرابة مئة متر.
- اقتحم دشمة العدو بسلاحه وقنابله ليخوض معركة التحام مباشر بالسلاح الأبيض.
- في خضم الاشتباك، اخترقت رصاصات الغدر جسده واستقرت في بطنه، ورغم النزيف الشديد رفض التراجع أو الإخلاء.
- تحامل على جراحه حتى رأى دشم العدو تتهاوى واستسلم أكثر من عشرين أسيراً إسرائيلياً.
نُقل القائد الجسور إلى المستشفى الميداني بمدينة السويس، وظل الأطباء يصارعون لإنقاذه حتى فاضت روحه الطاهرة في التاسع من أكتوبر 1973، ليلقى ربه شهيداً بعد أن أدى الأمانة كاملة، ومستحقاً عن جدارة أرفع الأوسمة العسكرية، وعلى رأسها «وسام نجمة سيناء» من الطبقة الأولى و «نوط الشجاعة» .
بيت الشهيد.. أركان الانتماء المتينة
حين استُشهد محمد زرد، لم تكن الصدمة لتكسر بيته، بل كشفت عن معدن عائلة ضاربة في عمق الوطنية والشهامة. نشأ الشهيد في بيت ريفي عريق بقرية «تفهنا العزب» بمحافظة الغربية، بين ثلاثة أشقاء اقتسموا معه خبز البيت وقيمه:

- اللواء محمود زرد: خاض معترك الشرف في صفوف القوات المسلحة، حاملاً لواء الانضباط العسكري.

- الدكتور كمال زرد: سلك درب العلم والطب ليداوي أوجاع الناس.

- الحاج أحمد زرد: مثّل عمود البيت وركيزته في العمل المجتمعي والخيري وإدارة شؤون العائلة والقرية.
كان استشهاد “محمد” بمثابة الوتد الذي زاد التفاف الإخوة حول قيم الشرف؛ فلم يركنوا إلى حزنٍ يُقعدهم، بل جعلوا من سيرته شرفاً يُلزمهم بالبذل، ومن ذكراه ميثاقاً على أن يظل اسم “زرد” مرادفاً لخدمة الناس والوطن.
الابن يحمل الراية.. اللواء أركان حرب خالد زرد

أعظم ما يتركه الشهيد ليس وساماً يُعلّق فحسب، بل ابناً يُكمل الدرب. وحين نزل خبر الاستشهاد، كان نجل البطل خالد محمد زرد طفلاً يكتشف الدنيا، لكنه شبّ على سيرة أبٍ بطولي ملأت أسماع مصر، ورضع حب الشرف في كنف أعمامه، ورأى كيف تنحني الهامات تقديراً لدم أبيه.
لم يختر الابن الراحة، بل اتجه مباشرة إلى ذات الطريق الوعر:
- التحق بالقوات المسلحة المصرية متدرجاً في مختلف الرتب والمواقع.
- اجتاز أصعب الدورات العسكرية التخصصية حتى نال درجة «أركان حرب» .
- ترقى حتى حمل رتبة لواء أركان حرب .
كان كل نجم يُعلّق على كتفيه، وكل مهمة وطنية يُنجزها، بمثابة تحية عسكرية يؤديها الابن لروح أبيه الراحل، وكأن لسان حاله يقول:
”غبتَ بجسدك يا أبي، لكن سلاحك لم يسقط من يدي، والراية التي رفعتها في النقطة 149 ما زالت خفاقة في سماء الوطن”.
الجيل الثالث.. الشجرة الطيبة تؤتي أكلها
لم تتوقف جينات البطولة والخدمة عند نجل الشهيد؛ فالعائلة التي سقى دمُ شقيقها تراب الوطن واصلت تقديم أبنائها في محراب الشرف والعمل:

- في السلك العسكري: من أبناء اللواء محمود زرد: سار على الدرب العميد محمد محمود زرد و العميد ممدوح محمود زرد ، ضابطين من طراز رفيع في صفوف القوات المسلحة.


- في ميادين التنمية والبناء:
- يمثل الأستاذ محمود أحمد زرد و الأستاذ محمد كمال زرد امتداداً مدنياً واجتماعياً حيوياً؛ يبنون ويخدمون ويثبتون أن خدمة مصر تتسع لكل يدٍ تبني، تماماً كما تتسع لكل يدٍ تضغط على الزناد.


السيرة التي لا تنتهي
إن قصة الشهيد الرائد محمد محمد زرد ليست مرثية لبطل راحل، بل وثيقة تاريخية حية حول “المجتمع الذي ينتصر”. فالجيوش لا تقاتل بمفردها؛ الجيوش تقاتل بأرواح بيوتٍ آمنت بأن الكرامة أغلى من الحياة.
حين سقط محمد زرد على ساتر خط بارليف وهو يحتضن علم بلاده، كان يكتب نهاية حياته وبداية ملحمة عائلته؛ ترك وراءه أشقاء صانوا العهد، وابناً ارتدى رداء الجندية ليكمل المسير، وأبناء إخوة انتشروا بين معسكرات الشرف وميادين العمل.
سيبقى اسم البطل محفوراً في ذاكرة مصر، لا لأن بطولته سبقت وتوّجت نصر العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر فحسب، بل لأن البيت الذي أنجبه أثبت للعالم كله أن الشهيد حين يقدم روحه للوطن، يُولد في أسرته جيل كامل يحمل اسمه، ليكتبوا بالدم والوفاء فصولاً لا تنتهي من العزة والانتماء.