
تقتحم الكاتبة والروائية المغربية هناء حسن صفريوي المشهد الأدبي العربي بعمل سردي لافت يحمل عنوانًا صادمًا في دلالته ومجازيته: «قلبك مقابر جماعية»، وهو العمل الذي سجل حضورًا متميزًا ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الـ57، مستقطبًا شريحة واسعة من القراء الباحثين عن الأدب السيكولوجي الذي يتجاوز القوالب الكلاسيكية المألوفة.
تنتمي الرواية إلى فئة الأدب النفسي الاجتماعي (Psycho-social Fiction)؛ حيث لا تكتفي الكاتبة برصد العلاقات الإنسانية من زواياها الظاهرة، بل تغوص عميقًا في تشريح الذاكرة، الخذلان، والأثر العاطفي غير القابل للزوال. تتصاعد الحبكة بإيقاع متوتر وتكنيك يعتمد على تفكيك اليقينيات وقلب الحقائق تدريجيًا، ما يضع القارئ أمام منعطفات حادة وتحولات غير متوقعة في مسارات الشخصيات ومصائرها.
نزع المثالية عن الحب: تشريح سيكولوجي للرهائن العاطفية
تبتعد صفريوي في هذا العمل عن السرديات الرومانسية الوردية، وتؤسس لرؤية واقعية حادة تنظر إلى المشاعر الإنسانية بوصفها ساحة مواجهة نفسية معقدة. ويتجلى هذا التوجه بوضوح عبر الاقتباسات المركزية التي شكّلت البنية الفلسفية للرواية:
-
«نحن لا نملك قلوبنا؛ هي دائمًا رهائن عند الآخرين.» تأطير لمفهوم الارتهان النفسي وفقدان السيطرة الذاتية عند الانخراط في تجارب شعورية غير متكافئة، حيث تصبح المشاعر قيدًا يفرضه طرف على آخر.
-
«أخطر النساء تلك التي تطعنك بإحساس لا يُنسى؛ وتترك أثرها فيك، ومنها لا تُشفى.» تشريح عميق لفكرة الندبة النفسية الدائمة (Emotional Scarring)؛ فالطعنة هنا ليست فعلًا ماديًا، بل هي بصمة شعورية تُربك توازن الطرف الآخر وتتركه أسيرًا لأثر لا يندمل.
-
«القلوب ثمينة؛ فلا تتهادوها.. اكتفوا بنبضة.» دعوة مجازية للحذر العاطفي وصيانة الذات من الاستنزاف؛ رسالة ضمنية تدعو إلى الاقتصاد في منح الثقة والمشاعر في زمن تغلب عليه العلاقات الهشة.
استراتيجية «إخلاء المسؤولية».. عقد قراءة استثنائي
وضعت الروائية تنويهًا صريحًا يُعد بمثابة عتبة نصية ذكية واجهت بها المتلقي منذ البداية:
«إذا كنت ممن يؤمنون بالحب وحده في العلاقات العاطفية فالروائية تخلي مسؤوليتها… اقرأ هذه الرواية على مسؤولية قلبك.»
هذا التنويه ليس مجرد عبارة ترويجية، بل هو تحذير منهجي يعيد توجيه أفق توقعات القارئ؛ فالرواية ترفض اختزال العلاقات في العاطفة المجردة بمعزل عن الصدمات النفسية، التعقيدات السلوكية، وصراعات القوة الخفية داخل النفس البشرية. إنها مواجهة مفتوحة مع الخيبات التي ندفنها داخلنا حتى يتحول القلب — كما يوحي العنوان — إلى مقبرة جماعية لخيانات وذكريات وأشخاص مضوا وتركوا أثرهم حياً.
يمثل كتاب «قلبك مقابر جماعية» إضافة نوعية للأدب الروائي المغربي والعربي المعاصر، عبر لغة سردية تجمع بين البعد الفلسفي والتوتر الدرامي، مقدمًا تجربة قراءة مكثفة تُعري المسكوت عنه في العلاقات الإنسانية.